سبعون عاما من الصداقة بين مصر والصين.. ونصف عمر من الحلم بالصين
2026-09-02
يوافق هذا العام الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، فعلى مدار سبعة عقود، سارت الدولتان جنبا إلى جنب، وتقاربت الحضارتان العريقتان رغم المسافات، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة، في خطوة فتحت صفحة تاريخية من التعاون والتفاهم المتبادل.
وعلى مستوى التاريخ، تمثل هذه العلاقة ملحمة ممتدة من الصداقة والتعاون بين حضارتين من أقدم حضارات العالم. أما على المستوى الشخصي، فهي رحلة عمر بدأت بإعجاب طفل مصري بأفلام الفنون القتالية الصينية، وانتهت بحياة كاملة ارتبطت بالصين علما وثقافة ورسالة إنسانية.
كانت أول صورة للصين في ذهني بعيدة لكنها نابضة بالحياة؛ صورة تشكلت عبر أفلام الكونغ فو الصينية التي كانت تُعرض على الشاشات المصرية. عالم الأبطال وقيم الشهامة والعدل والطبيعة الشرقية الساحرة والروح الإنسانية الهادئة، كلها صنعت بداخلي فضولا تجاه هذا البلد الغامض. لم أكن آنذاك أفهم اللغة الصينية، ولا أُدرك عمق الثقافة الصينية، لكن بذرة الحب كانت قد زرعت بالفعل، وتحول الفضول مع الوقت إلى حلم حقيقي بتعلم اللغة الصينية واكتشاف الصين عن قرب.
بهذا الحلم بدأت رحلتي مع اللغة الصينية، ثم رحلتي إلى الصين. من صعوبة تعلم مقاطع الكتابة والنطق في البداية، إلى القدرة على الحوار والعمل والتعبير بطلاقة؛ ومن قراءة الشعر والأدب الصيني، إلى فهم تفاصيل الحياة اليومية في المجتمع الصيني، أصبحت اللغة بالنسبة لي أكثر من مجرد وسيلة تواصل، بل صارت مفتاحا لفهم حضارة كاملة.
وفي رحلتي الأكاديمية والمهنية، تخصصت في الإعلام وفنون الإلقاء والتقديم، لأصبح أول طالب دراسات عليا مصري يدرس تخصص الإذاعة والتقديم التلفزيوني في الصين. وخلال سنوات إقامتي في بكين، لم أكن مجرد طالب أجنبي يسعى وراء حلمه، بل أصبحت جزءا من مشهد التبادل الثقافي بين البلدين، من خلال عملي في مجال الإعلام والتواصل الحضاري، ومشاركتي في فعاليات دولية مثل مسابقات اللغة الصينية والمنتديات الثقافية الصينية- العربية، حيث سعيت دائما إلى بناء جسور الحوار بين الشعبين المصري والصيني.
كان السفر داخل الصين من أهم الطرق التي جعلتني أفهم هذا البلد بعمق. فعلى مدار سنوات، زرت معظم المقاطعات والمدن الصينية، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. رأيت عظمة سور الصين العظيم وسحر مدن الجنوب المائية واتساع صحارى الشمال الغربي وخضرة جبال الجنوب الغربي، كما شاهدت التطور الهائل في المدن الكبرى، وهدوء وبساطة القرى البعيدة.
لكن أكثر ما أثر فيّ حقا، كان مشاهدتي المباشرة لمعجزة التخلص من الفقر وتحقيق النهضة الريفية في الصين.
خلال زياراتي الميدانية إلى القرى والمناطق الجبلية، رأيت كيف تحولت الطرق الطينية الوعرة إلى طرق حديثة، وكيف استبدلت البيوت البسيطة بمنازل آمنة وكريمة، وكيف أسهمت الصناعات المحلية والسياحة الريفية والحرف التقليدية في تحسين مستوى معيشة السكان.
كما لمست بنفسي التطور الكبير في مجالات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية داخل القرى الصينية. وقد شاركت في تصوير وتوثيق العديد من هذه النماذج التنموية، الأمر الذي جعلني أفهم بصورة أعمق معنى "التحديث الصيني النمط" القائم على الإنسان والتنمية الواقعية. وكانت هذه التجارب من أكثر القصص التي حرصت على نقلها إلى الجمهور العربي، لأنها تقدم صورة حقيقية عن الصين بعيدا عن الصور النمطية السطحية.
وعلى مدار سنوات عملي في مجال التبادل الثقافي، حرصت على أن أكون جزءا من مسيرة الصداقة المصرية- الصينية. فقد شاركت في تأسيس منصات لنشر الكتب والثقافة الصينية داخل الجامعات المصرية، وأسهمت في تنظيم فعاليات ومسابقات ثقافية لتعريف الشباب العربي باللغة الصينية والثقافة الصينية، كما قدمت وأدرت مئات الأنشطة الثقافية والإعلامية الدولية باللغات العربية والصينية والإنجليزية.
ومن خلال مقالاتي وبرامجي الإعلامية، حاولت دائما أن أنقل رؤية شاب مصري عاش داخل الصين، وشاهد بعينيه التحولات التي تعيشها البلاد، وعرف عن قرب طبيعة الشعب الصيني وقيمه الإنسانية. فالعلاقات بين الدول لا تبنى فقط عبر الاتفاقيات السياسية والاقتصادية، بل أيضا عبر التفاهم الإنساني والتقارب الثقافي بين الشعوب.
واليوم، وبعد سبعين عاما من العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، أصبحت هذه العلاقات نموذجا مهما للتعاون بين الدول النامية، خاصة في مجالات التنمية والبنية التحتية والتعليم والتبادل الثقافي. ومع مبادرة "الحزام والطريق"، دخل التعاون المصري- الصيني مرحلة أكثر عمقا واتساعا، حيث أصبحت مصر شريكا مهما للصين في المنطقة العربية والقارة الأفريقية.
أما بالنسبة لي، فقد أصبحت رحلتي الشخصية جزءا صغيرا من هذه القصة الكبيرة. فمن شاب مصري أحب الصين عبر شاشة التلفزيون، إلى باحث وإعلامي يعيش بين الثقافتين ويحاول التقريب بينهما، أدركت أن الصداقة بين الشعوب تبدأ أحيانا بحلم صغير، لكنها قد تتحول مع الزمن إلى رسالة حياة كاملة.
واليوم، وأنا أقف عند هذه المحطة التاريخية المهمة، أؤمن بأن رحلتي مع الصين لم تنته بعد. فما زال أمامي الكثير لأتعلمه، والكثير لأقدمه في مجال الحوار الحضاري والتبادل الثقافي بين البلدين. وسأظل أؤمن بأن التواصل بين الحضارات قادر دائما على صناعة مستقبل أكثر فهما وسلاما.
وفي الذكرى السنوية السبعين للعلاقات المصرية- الصينية، أتمنى أن تستمر هذه الصداقة التاريخية في الازدهار، وأن تواصل الحضارتان العريقتان- المصرية والصينية- كتابة فصل جديد من التعاون والتقارب الإنساني، في عالم يتطلع أكثر من أي وقت مضى إلى الحوار والتفاهم بين الشعوب.
--
محمد جهاد (ميدو)، خبير أجنبي لدى المجموعة الصينية للإعلام الدولي.
أخبار ذات صلة
2026-01-16
2026-08-21
2025-09-01